محمد بيومي مهران
210
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
من التقدير والاحترام عند العرب ، لا يتوفر لغيرهم « 1 » . وخطت قريش خطوة أخرى في اجتذاب القبائل العربية إلى مكة ، فنصبت أصنام جميع القبائل عند الكعبة ، فكان لكل قبيلة أوثانها ، تقدم في الموسم لزيارتها وتقديم القرابين لها ، وزاد عدد الأصنام عند الكعبة على ثلاثمائة صنم ، فيها الكبير والصغير ، ومنها ما هو على هيئة الآدميين أو على هيئة بعض الحيوانات أو النباتات ، وكان أكبر الأصنام « هبل » في صورة انسان من عقيق أحمر « 2 » . وهكذا تمضي الأيام وتزداد مكانة الكعبة عند العرب ، حتى تصبح آخر الأمر المفخرة القومية والحرم الإلهي عندهم ، ثم تغدو بعد حين من الدهر ، الحوار الوحيد الذي يشعر العرب عنده بشعور العروبة الموحدة ، عالية الرأس ، غير مستكينة لأجنبي كائنا من كان ، ذلك لأنهم كانوا يحسون أنهم من رعايا الروم في الشام ، ومن رعايا الفرس في الحيرة ، وأتباع للحبشة أو الفرس في اليمن ، ولكنهم هنا - في مكة - عند بيت اللّه ، في حرم اللّه ، يقدسونه جميعا ، لأنه لهم جميعا ، يضمهم إليه كما يضم أوثانهم وأصنامهم وأربابهم ، يلوذون به ، ويأوون إليه ، فكلهم من معبود وعابد في حمى الكعبة ، لأنهم في بيت اللّه ، وشعورهم هنا ، بأنهم « عرب » لم يماثله شعور قط في أنحاء الجزيرة العربية ، وقد أوشك أن يشمل شعب اليمن وجمهرة أقوامه ، على الرغم من سادته وحكامه ، فما كان هؤلاء الحكام لينفسوا على الكعبة مكانها ويقيموا لها نظيرا في أرضهم ، لو كان شعب اليمن منصرفا عنها ، غير معتز بها ، كاعتزاز البادية والصحراء « 3 » .
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 147 ، ابن سعد 1 / 58 ( 2 ) اليعقوبي 1 / 254 - 255 ، الروض الأنف 2 / 276 ، الأزرقي 1 / 120 - 121 ، جرجي زيدان : تاريخ التمدن الاسلامي 1 / 37 ، جوستاف لوبون : حضارة العرب ص 124 ، كتاب الأصنام ص 27 - 28 ، E . Gibbon , op - cit , 5 , P . 225 ( 3 ) العقاد : المرجع السابق ص 56